اسماعيل بن محمد القونوي
179
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
جائز نظرا إلى ظاهر قوله إذا صادفته بصيغة الخطاب بل هو حسن وصيغة الغائب في صدر الكلام جائز نظرا إلى المعنى إذ الخطاب في مثل قوله إذا صادفته لغير معين فيكون في المعنى كالغائب كأنه قيل يقال أي يقول أحد لقيته أو لاقيته إذا صادف شخصا آخر ولا ريب في حسن هذا وكذا في حسن ما يقوم مقامه والنظر إلى المعنى شائع في كلام البلغاء فإن قيل الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب لا لكونه في حكم الغائب قلنا معنى ليعم كل مخاطب ليعم كل من شأنه أن يخاطب فيكون في حكم الغائب قيل ولما كان الشرط والجزاء متغايرين تغاير السبب والمسبب جعلوا القول جوابا دون المقول لإيجاده به مع عدم صحته ( وإذا استقبلته ) لقيته بفتح التاء في الأول وضمها في الثاني كما لا يصح إذا استقبلته أنت لقول غيرك لقيته أنا فإذا فتحنا صح بتقدير إذا استقبلته بقول غيرك إنك لقيته أنت وفي قول الزمخشري يقال لقيته ولاقيته إشارة إلى أن المفاعلة فيه لأصل الفعل ( ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته ) . قوله : ( بحيث يلقى ) أي بحيث يدرك ويستقبل ليرى أو بحيث يلقى بغتة بلا اختيار وهذا توضيح ما قيل بصيغة المجهول أي بلقاء غيرك نقل عن الراغب أنه قال الإلقاء طرح الشيء حيث يلقى ثم صار في التعارف اسما لكل طرح قال تعالى : أَلْقِها يا مُوسى [ طه : 19 ] قوله ثم صار إشارة إلى أن مطلق الطرح حقيقة عرفية وإن كان مجازا مرسلا بالنظر إلى أصل اللغة فإن الشيء كثيرا ما يطرح ولا يكون بحيث يلقى كالمطروح في البحر بحيث قوله : فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقى يعني جميع استعمالات لقي دائر على معنى المصادفة والاستقبال ومعنى الآية وإذا صادقوا المؤمنين واستقبلوهم قالوا آمنا فإن قيل إثباتهم الإيمان لأنفسهم في هذه الآية بقولهم آمَنَّا [ البقرة : 14 ] يناقض نفيه عنهم بهمزة الانكار في قولهم أَ نُؤْمِنُ [ البقرة : 13 ] وهذا النفي والاثبات كلاهما في وقت الملاقاة للمؤمنين فكيف التلفيق بينهما أجيب بأن القائل الآمر بالإيمان إن كان بعض المنافقين بأن يأمر بعضهم بعضا بالإيمان كما ذكره بعض المفسرين فلا إشكال وإن كان الأمر بالإيمان المؤمنين بأن يقولوا للمنافقين آمنوا كما آمن الناس يجب أن يكون قولهم أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] مقولا فيما بينهم لا مقولا في وجوه المؤمنين مشافهة كيلا يكونوا مجاهرين بالكفر لا منافقين فعلى هذا لا يكون الانكار بالهمزة وقت ملاقاة المؤمنين فلا مناقضة لعدم الاتحاد في الزمان هكذا قالوا وأقول فيه نظر لأن إذا ظرف لقالوا فيكون الجواب مقيدا بكونه في وقت قول المؤمنين لهم آمنوا وهذا الوقت وقت ملاقاة المؤمنين فيجب أن يقع الجواب بالانكار في ذلك الوقت فكأنه قيل وإذا لاقوهم وقالوا آمنوا قابلوهم بالانكار يؤيده قول صاحب الكشاف أتوهم في النصيحة من وجهين فكان من جوابهم أن سفهوهم فإن جواب النصيحة إنما يكون في مشافهة الناصح فالحق في جواب الإشكال أن يقال قولهم أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] صريحا في سلب الإيمان عن أنفسهم إذ يمكن أن يقولوا مرادنا بقولنا هذا إنا لا نؤمن كما آمن العوام من الناس بل نؤمن كما آمن الخواص وإن كان هذا التأويل منهم على وجه النفاق أيضا فعلى هذا لا يكونون في قولهم أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] مجهرين بالكفر حتى يخرجوا من عداد المنافقين فلا ينافي قولهم أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] قولهم آمَنَّا [ البقرة : 14 ] وقت ملاقاتهم المؤمنين لإثبات كل من هذين القولين الإيمان لأنفسهم نفاقا غايته أن في الوصف بالسفه تعريضا للمؤمنين الخلص بأنهم السفهاء .